ابن تيمية

24

مجموعة الرسائل والمسائل

بن حنبل وغيره أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ، وقالوا : من قال إنه مخلوق فهو جهمي ، ومن قال أنه غير مخلوق فهو مبتدع ، وأما صوت العبد فلم يتنازعوا أنه مخلوق ، فإن المبلغ لكلام غيره بلفظ صاحب الكلام إنما بلغ غيره ، كما يقال روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب الكلام . واللفظ في الأصل مصدر لفظ يلفظ لفظاً وكذلك التلاوة والقراءة مصدران لكن شاع استعمال ذلك في نفس الكلام الملفوظ المقروء المتلو ( 1 ) ، وهو المراد باللفظ في إطلاقهم فإذا قيل لفظي أو اللفظ بالقرآن مخلوق أشعر أن هذا القرآن الذي يقرؤه ويلفظ به مخلوق ، وإذا قيل لفظي غير مخلوق ، أشعر أن شيئاً مما يضاف إليه غير مخلوق ، وصوته وحركته مخلوقان ، لكن كلام الله الذي يقرؤه غير مخلوق ، والتلاوة قد يراد بها نفس الكلام الذي يتلى وقد يراد بها نفس حركة العبد ، وقد يراد بها مجموعها ، فإذا أريد بها الكلام نفسه الذي يتلى فالتلاوة هي المتلو ، وإذا أريد بها حركة العبد فالتلاوة ليست هي المتلو ، وإذا أريد بها المجموع فهي متناولة للفعل والكلام فلا يطلق عليها أنها المتلو ولا أنها غيره . ولم يكن أحد من السلف يريد بالتلاوة ومجرد قراءة العباد وبالمتلو مجرد معنى واحد يقوم بذات الباري تعالى ، بل الذي كانوا عليه أن القرآن كلام الله تكلم الله به بحروفه ومعانيه ليس شيء منه كلاماً لغيره ، لا لجبريل ولا لمحمد ولا لغيرهما ، بل قد كفر الله من جعله قول البشر ، مع أنه سبحانه أضافه تارة إلى رسول من البشر وتارة إلى رسول من الملائكة ، فقال تعالى : " إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون ، تنزيل من رب العالمين " فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى : " إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند العرش مكين ، مطاع ثم أمين ، وما صاحبكم بمجنون ، ولقد

--> ( 1 ) يعبر عن الأول بالمعنى المصدري وعن الثاني بالحاصل بالمصدر